أحلام حقيقية





تمنى وعيش الحلم
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 من مذكرات د. مصطفى محمود

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
melsalam

avatar

وسام التميز:

وسام التواضع:





عدد المساهمات : 164
تاريخ التسجيل : 05/05/2010

مُساهمةموضوع: من مذكرات د. مصطفى محمود   الأربعاء يونيو 16, 2010 7:16 am

حكايتى مع الأعمال الخيرية

كتب المذكرات محمد الساعى - السيد الحرانى

أزمة كل الحركات الاجتماعية كجماعات والمثقفين المصريين والعرب كأشخاص، أن نضالهم كله يتركز فى شعارات.. عناوين.. البارز فيهم من يحول هذه الشعارات إلى كلمات وكتابات تولد على صفحات الصحف وتموت عليها.. قليلا أو نادرا من يكثف مجهوده ليحوله لعمل واقعى.. من الممكن أن نجد رجل أعمال كرّس وقته ومجهوده هو ومن حوله لصالح البيزنس الخاص به، أو فنانا استطاع توجيه أدائه هو وفرقته ومن يعملون معه لإخراج تحف فنية يحفر بها اسمه على حائط الفن.. لكننا لم نجد أبدا – فى حياتنا على الأقل – من يوجه جهوده من أجلهم.. من أجل فقراء هذا الوطن.. فقراء هذه الأرض.. من أجل اليتامى.. من أجل الفلاحين.. من أجل الغلابة.. لم نر من يفكر فى محاربة الإرهاب بالتعليم.. ويحارب البلطجة بإطعام الفقير وتربيته.. نعم لم نر.. إلا العالم الكبير مصطفى محمود.. وفى هذا الصدد نجده يقول:

منذ النشأة كانت لى أحلامى بخصوص من حولى، عندما نشأت لم أكن من الأثرياء، ولم أكن من الفقراء، كنت من المستورين (الطبقة المتوسطة التى اختفت حاليا).. ولكننى كنت دائم الانشغال بالفقراء.. اقتنعت بأن الفقر والجهل والظروف السيئة هى سبب تأخر أمتنا، بل هى منبع الإرهاب، فإذا أردنا أن نصعد بمعدل نمو دولتنا مثل الدول المحترمة، وإذا أردنا أن نقطع جذور الإرهاب فعلينا بمحاربة أسبابه.. وهذا لن يكون فقط بالتنظير أو بتأليف الكتب أو بالصراخ على المنابر السياسية.. العلاج يكون بأن يبدأ كل واحد بنفسه.. بيده.. لا أقصد هنا ألا ينتظر النظام «بواقى وفضلات» الدول الأخرى المسماة الإعانات لأنك ستكون «بتنادى فى جدار أصم»، بل أقصد ألا تنتظر شيئا أساسا من النظام.. عايز تعمل خير لبلدك وأهلك وأهلها.. الخير بيتنفذ- بقول يتنفذ- مش بيقف عند مجرد النية.. فالحل يكمن فينا وبداخلنا.

أما عن بداية الخطوات العملية عند الدكتور مصطفى محمود فقال:هل تتذكرون الحلم القديم الذى يسرده الناس الطيبون عن أسطورة الرجل الطيب الذى نشأ فى الريف وكان رجلا قويا صاحب عزيمة وطموح ودائما قلبه يرق لضعفاء قريته، فأقام مشروعا وشغل فيه فقراء القرية وكان يحجز جزءاً من أرباح هذا المشروع لينفق على أولاد عماله الفقراء.. ويوفر لهم علاجا وتعليما وملابس.. إذن بعد أن اهتم بتوفير مصدر للرزق يهتم بالتعليم والرعايه الصحية، وهو ما رفع من مستوى هؤلاء الفقراء وزادت احتياجاتهم فأصبحوا يشترون منتجات مصانع الرجل الطيب فراجت سلعته أكثر فدخل القرية المجاورة وأقام فيها فروعا أخرى معتمدا على فقرائها ورافعا إياهم من محنتهم..

وظل هكذا حتى قضى تقريبا على البطالة والفقر فى بلده.. لأنه لم يكن يفكر بالأساس فى جنى الأرباح فقط، بل كان يفكر فى فقراء بلدته، فيكون نتيجة عمله الصادق أن تتسع تجارته وتتعاظم أرباحه، فيقسم هذا الربح بينه وبين الفقراء فى مكان آخر، وهو ما يضاعف من أرباحه مائة مرة.. هذه الأسطورة المتداولة بين البسطاء كثيرا ما شغلتنى منذ الصغر، وكنت أفكر فيها باستمرار وأنقضها أحيانا، ولكننى وجدت نفسى أؤيدها بكل ما أوتيت من قوة.. حتى جاء منتصف السبعينيات.. وفكرت آلاف المرات فى كيفية تحقيق هذه الأسطورة بالفعل.. لكن الحقيقة أننى فكرت بالعقل.. التفكير بالعقل مش بالعواطف لو أردنا أن نحقق شيئا، وصممنا عليه سيتحقق..

هكذا كان حلمى أن أؤسس شيئا عمليا أستطيع من خلاله أن أمد يد العون.. أن أساهم فى حل مشاكل المحتاجين من المحيطين بى.. فى عام ١٩٧٦ بالفعل بدأت تنفيذ الحلم وحصلت من وزارة الأوقاف على ترخيص ببناء مسجد، وحصلت على دعم العديد من الأشخاص والجهات لإتمام بناء المسجد، وبدأت التفكير فى إنشاء مركز خدمى وعلاجى للبسطاء، فكرت أولا فى إنشائه فى أرياف الجيزة، ولكن بعد إقامة المسجد فكرت فى إنشاء المجمع بجوار المسجد..

فى البداية فكرت فى دور الكنيسة الخدمى الذى تقوم به لرعاية شعبها، وقلت فى نفسى لماذا لا يكون دور المسجد له نفس الخصائص، ويعطى لرواده من الفقراء والمحتاجين نفس المزايا.. بالفعل كان الحلم يراودنى، ومعى أخى الكبير مختار، وكان يساندنى معنويا ثلاثة أصدقاء آخرين استطعت أن أجندهم، واقتنعوا بما اقتنعت به من العمل لخدمة الإنسانية المشردة فى الشوارع والحوارى والأزقة.. وعندما وضعنا كل ما نمتلك معاً أكملوا ٥٠٠ جنيه وهو المبلغ الذى لا يسمن ولا يغنى.. ولكنى كنت أعمل عملا لله..

وعندما أعاننى الله قمت بزيادة رأس المال المؤسس إلى ستة آلاف وكان مبلغا كبيرا فى ذلك الوقت.. وهو ما ساعدنى على إنشاء المستشفى بالفعل.. بدأته بعيادة للباطنة، ثم عيادة للرمد ومعمل تحاليل، وهكذا كانت نواة المستشفى عدة عيادات صغيرة، حجم كل عيادة غرفة واحدة.. هل تعلم كم تبلغ القيمة الاسمية لهذه الأصول الآن.. أكثر من ١٥٠ مليون جنيه كلها لله، لا يوجد منها مليم واحد فى حساب خاص..

وفى منتصف الثمانينيات تقريبا كان الصديق الدكتور أحمد عادل نور الدين، وهو الآن من كبار إخصائيى التجميل فى الشرق الأوسط، أنهى رسالته وأصبح مستعدا للعمل الرسمى معنا، فأقمنا معا عيادة لجراحات التجميل للبسطاء، ولكم أن تتخيلوا مدى النجاح الذى حققه ذلك الفرع، وقد وجد الفقراء ما كانوا يتصورونه حكرا على الأغنياء متاحا لهم.. فكم فقيراً يعوقه تشوه ما بينه وبين الحياة الطبيعية، وهذا كان دورنا.. هنا أريد أن أتكلم عن هذه الفترة.. هل هناك ما يميزها؟

نعم هذه كانت أيام البرنامج.. فكنت أتبع نفس أسلوب الأداء والإدارة فى الاثنين.. وكنت أتبع نفس الأسلوب الذى اتبعته فى عملى سواء فى البرنامج أو أى مجال آخر.. كنت وأنا أدور حول العالم فى سفرياتى المتتالية، أبحث عن أحدث الأجهزة وأشتريها وأحضرها معى إلى المستشفى، فمثلا أحضرنا جهاز الأشعة المقطعية عندنا قبل أن يسمع به أحد، وأجهزة الرنين المغناطيسى، وكذلك أجهزة رسم المخ والعضلات، رغم أن الكشف كان ومازال بأرخص الأسعار، وذلك لأن الربح لم يكن الهدف من وراء هذا المشروع بل كان هناك هدف سام- الكشف ظل إلى فترة كبيرة قيمته جنيه واحد والآن بعد أن زادت قيمته لا يتجاوز أعلى كشف ٥ جنيهات.

كانت المشكله التى كثيرا ما تواجهنى هى الأطباء أنفسهم.. كيف أسهل لهم العقبات وهم يحصلون على ربع قيمة الكشف فقط إضافة إلى طموح الغالبية منهم فى تحقيق أهداف شخصية.. وكان هذا دورى.. المشروع فى نشأته يتلخص فى أنه سعى منا إلى تغيير الأوضاع بأى قدر.. أن نمد يد العون للآخر.. فكنت أصطدم بطموح طبيب من الموجودين.. وكان لابد من عدم تقييده بل دفعه لتنفيذ أجندته الخاصة.. لا أخيره بين طموحه الخاص وأهداف المشروع، بل كنت أحتويه وأدعمه فيسير فى أهدافه الخاصة ويعطينى أنا والمشروع كل ما نحتاجه من طاقته وزيادة..

فإذا طلب منى أحد الأطباء جهازاً ظهر حديثا، أحضره معى من أول رحلة لى فى الخارج، وكنت أساعد من يريد أن يكمل رسالة دكتوراه خاصة به.. فأصبح الأطباء يكبرون، مع اتساع شهرة وأعمال المؤسسة، وكنت أناقش كل طبيب على حدة، بالمرور عليه فى مكان عمله أو أطلبه عندى فى الاستراحة حتى نتكلم، وهو ما ساعد معظمهم على أن يصبحوا من كبار الأساتذة ويترقوا.. وها هم جميعا يشغلون مناصب.. مثل عمداء الكليات المختلفة وفى وزارة الصحة خصوصا بعد أن دعمناهم بحضور المؤتمرات العلمية فى الخارج.. إضافة إلى توفير أحدث الأجهزة فى العالم لهم.

وفى هذا السياق يقول الدكتور مصطفى وهو يبتسم لكوميديا الموقف: كانت هناك فجوة زمنية لصالحنا بيننا وبين مستشفيات الدولة فى تقدم الأجهزة والمعامل والنظام المتبع فيما يقارب الخمسين عاما، وكنا أحدث من المستشفيات الخاصة أيضا.. ومع ذلك كنا نعمل بلا ربح أو أهداف شخصية، وهذا كان يدفع أصحاب تلك المستشفيات، التى كان يطلق عليها لقب المستشفيات الاستثمارية، إلى الاتصال بى ويقولون لى «حرام عليك يا دكتور بيتنا هيتخرب» وكنت أضحك من موقفهم، الذى يعد بجاحة لاستغلال الناس ومحاولة لإقناعى بأن أجعل العلاج بأجر يساوى أجورهم الاستثمارية.. لقد أصبح المجمع يستقبل الآن أكثر من ٤٥٠٠ مريض كل يوم، ونجرى أكثر من ستين عملية يوميا- ولا قصر العينى- خصوصا بعد أن توسعنا وأقمنا فروعا فى أماكن أخرى.

لكن.. هل مؤسسة مصطفى محمود، التى أطلق عليها الدكتور جمعية ومسجد محمود الخيرية، يتوقف جهودها عند الخدمات الطبية.. الحقيقة أن هذه هى معلوماتنا عن الجمعية، لكننا فوجئنا بعالمنا الأكبر يشير لأدوار أخرى لمؤسسته، التى اتسع نشاطها ويتسع باستمرار فى مجالات مختلفة.. فمن توفير الملابس لعشرات الآلاف من الأسر المصرية، إلى توفير مصدر رزق دائم وثابت لمعدومى الدخل.. بل وتوفير طعام للمنكوبين..

وعندما أبدينا ذهولنا قال: الجمعية الآن لها دور اجتماعى كبير.. لكن ذهولكم هذا لأننا لا نروج لهذا الخير الذى سببه الله لنا ولكل من ينتفع من المؤسسة بأسلوب دعائى.. ربنا مبارك لأهل الخير والعملية ماشيه.. لكن ليس معنى ذلك أن نشاط الجمعية مجهولة لأن نتائج «جمعية محمود» موجودة فى كل الأقاليم، خصوصا المناطق التى لا تصل إليها يد الحكومة، مثل الصعيد وسينا والواحات.. ولجنة النشاط والخدمات الاجتماعية بدأت دورها فى بداية التسعينيات.. وأول وأبرز هذه الأنشطة قبل التسعينيات بعشرين عاما كان «مائدة الرحمن» المشهورة والتى تقيمها الجمعية فى رمضان.. فى هذه الأيام كانت مائدة الرحمن الشهيرة الأخرى فى السيدة زينب، فكان مشهد مائدة الرحمن فى المهندسين مشهداً رهيباً- مشهد عجبة- ولكن فى أول التسعينيات بدأت ما يسمى رحلتى الشتاء والصيف، وهما أمران مهمان جدا فى حياتى.

ولكن قبل الحديث عن رحلات الشتاء والصيف، قال الدكتور مصطفى محمود: عقلية النظام المصرى لا تؤمن أبدا بأن هناك من يمكنه أن يتصدى للفقر والإرهاب دون مقابل، فشكوا أن الجمعية والمسجد وما يلحق بهما من فروع تم تأسيسها بغرض تنشئة أجيال بأفكار أمنية أو أفكار دينية شاذة بتمويل ما.. وبالفعل وضعت المؤسسة بالكامل تحت المراقبة لأعوام.. وعشت ومن حولى تحت الرقابة الأمنية، حتى تأكد النظام من أن هدفى هو المعلن، وهو المساهمة فى رفع المعاناة عن أبناء وطنى.. والحمد لله رفعتها بالفعل، لأنى أؤمن بأن العمل والابتكار ليس بالصياح والشعارات والتوقف عند حد الكتابات..

وفى الاتحاد السوفيتى حاولت بعض الجهات هناك فى السبعينيات تمويل برنامج لتنشئة جيل من المقاتلين.. من طراز خاص.. على المستوى الأمنى أو الفكرى، لكن التجربة زرعت فى هذه المجموعة أفكارا شاذة لدرجة أن الجيل انهار أو تطرف.. ولأن النظام عندنا عبقرى فى كل شىء إلا الصواب، فقد خرجت تقارير تفيد بأننى أربى اليتامى عندى فى الجمعية.. وسألت التقارير: بربيهم ليه؟ هايكسب ايه من وراهم..

أكيد الموضوع فيه «إنّه».. العقلية الأمنية المستهترة فى كل صواب، ركزت بس معايا وركبت أجهزة تنصت على تليفونات الجمعية، وزرعوا عيونا وعشنا شهورا وسنوات طويلة فى ارتباك.. ولكننا لم نتذمّر إحنا مابنعملشى حاجه عشانهم ولا منتظرين أجر عليها يبقى ربنا هايحمى حاجته دى.. وزاد الطين بلة أنه فى بعض الأحيان كان يخطب فى المسجد بعض الشيوخ المغضوب عليهم، مثل الشيخ كشك.. مما دفع الجهات إياها لأن تظن فينا الظن إياه.. لكننى كنت مصرَّاً على تقديم حياتى للبسطاء والفقراء.

هل اكتفيت؟ سؤال ألقى بنفسه داخلى.. مشغول أنا فى برنامج «العلم والإيمان».. النجاح الهائل الذى وصلت إليه ألقى بداخلى مسؤولية مهمة حول إعداده والخروج به إلى الشعب العربى بصورة ملائمة كما ينتظرونه.. لكن هذا السؤال الملح حول ما إذا كان ما أقمناه بعون الخالق يكفى.. وصل عدد من تستقبلهم الجمعية إلى ٥ آلاف مريض يوميا، لكن هل اكتفيت.. أشعر أحيانا بأن هناك أصوات تنادى علىَّ من أماكن لا أعرفها: لا يوجد أفقر من فقراء الأماكن المقفرة فى مصر.. لا يوجد أكثر احتياجا منهم.. سيناء.. والواحات.. والصعيد.. وريف مصر.. فى الأصل كدت أنشئ الجمعية فى أرياف الجيزة حتى تتوجه بخدماتها إلى المحتاج الحقيقى، لكن الظروف جعلت من منزلى مقراً للجمعية فى ميدان مصطفى محمود.. لذلك كان هو الوقت اللازم للخروج برحلات الشتاء والصيف.

خرجت أنا وأطباء المجمع بهدف الوصول بخدماتنا إلى القاهرة ومعظم المحافظات المحيطة بها، ولفت انتباهى أن المحافظات البعيدة، مثل الصعيد ومطروح وسيناء، لا تصلها خدماتنا، على الرغم من تفاقم الأوضاع بكثير فى هذه المحافظات بالذات، فقررنا أن نخرج بقوافل إلى هذه المناطق، وبالفعل كنا نذهب بقافلة فى الصيف وأخرى فى الشتاء، كل قافلة منهما تتوجه إلى مكان ما، وعلى رأس هذه الأماكن «السلوم وسوهاج وقنا ومطروح والخارجة وأسوان».. وكنا نستغل فترة هذه القافلة ونهتم بأهل هذه المناطق فى أكثر من مجال وأكثر من نشاط، فكرى أو دينى، ووصل عدد هذه القوافل إلى ١٣ قافلة.

وأنا اول من أقر نظام القرض الحسن الدوار.. ففى وسط وحشية الرأسمالية وانتكاسة الاشتراكية وهنا قد يظن البعض أننى أتراجع عن أفكارى الحادة ضد الاشتراكية أمام الرأسمالية المتوحشة ولكننى أؤكد أننى من ألد أعداء الاثنين سواء الرأسمالية المتوحشة أو الاشتراكية الهدامة..

المهم فى وسط هذا التوحش الرأسمالى كان الفقراء مظلومين مطحونين بلا سند أو داعم غير رحمة الله ولقد أرسيت فى الجمعية نظاماً لإقراض الفقراء بلا فوائد وفى الوقت نفسه لا أعطى للفقراء القروض فى صورة أموال.. لأنى كنت أنظر للأموال على أنها مجرد مجموعة من النقود ستنتهى منفعتها بإنفاقها لكن عندما تطلب أسرة من الأسر المصرية البسيطة قرضاً من الجمعية وتعطيهم الجمعية بدلا من تلك الأموال أدوات إنتاج مثل آلات أو ماشية أو.. أو.. فإن هذه الأسرة ستعمل وذلك يدير عجلة الإنتاج الوطنى وسيترتب على ذلك تقليل البطالة بتشغيل أيد عاملة وأخرى مساعدة وسيترتب على ذلك الربح، وهنا تستطيع تلك الأسرة وبمنتهى السهولة واليسر أن ترد القرض الذى حصلت عليه وهى مازالت تمتلك وحدات الإنتاج التى لديها أيا كان نوعها- مع ملاحظة أن القرض قرض حسن بلا فوائد- لاحظ هنا أن القرض المردود لا يرد للجمعية بل تحصل عليه عائلة أخرى فى حاجة للقرض..

وبهذا نساعد المحتاج عملا بالمثل الصينى الشهير «بألا نعطيه السمكة بل نعطيه السنارة ليتعلم الصيد» ويعيش ويأكل هو وأسرته من إنتاجه وصنع يديه وطبقنا هذا المثل أيضا فى مراحل أخرى مختلفة قمنا بها فى الجمعية عندما أقمنا مركز التدريب الحرفى فى الزمالك واستعنا بالحرفيين لتعليم أبناء اليتامى بعد استكمال تعليمهم الأساسى ودعونا القادرين الذين يريدون التخلص من ملابس أو أثاث أو أجهزة عندهم أن يتركوها ونحن نأخذها ونعلم الأولاد عليها، إضافة إلى الشباب فقد أخذنا بنات الأسر الفقيرة وعلمناهن كيف يدرن المنزل وعلمناهن فعلا قواعد ومهارات إدارة المنازل وعلمناهن قواعد الطهارة والنظافة والأمانة.. والمفاجأة أن الشباب والبنات فى شهور التعلم هذه كنا نخصص لهم رواتب شهرية لتعينهم على مواجهة الحياة القاسية ولتكون بمثابة تشجيع لهم على العمل والاستمرار فى التعلم!!

إذن نحن أعطينا الأسر السنارة وعلمناهم كيف يصيدون وهى أفكار بدأنا تطبيقها منذ عقود ووصلت تغطيتنا الآن لأكثر من ٦٠٠٠ أسرة فى ٧ محافظات بما يزيد على ١٥ مليون جنيه شهريا!!

وهنا يشرد الدكتور مصطفى محمود بعض الدقائق ثم يقول.. أنتم تذكرونى بأيام جميلة ولكن هل تعلمون ما هى المشكلة الحقيقية عندنا فى مصر للأسف هى «مشكلة علم» فى المقام الأول دعوكم من الكلام المشهور بأن مصر نصفها أمى ولا يجيد القراءة والكتابة وأن معظمها لا يستطيع مسايرة تكنولوجيا المعلومات ففى زمننا الذى ذهب ولم يتبق منه غير الذكريات الجميلة كان مجتمعنا بالكامل أميا ولم يكن متأخراً بل بالعكس من يقرأ التاريخ الصحيح وليس المغلوط جيدا يعرف أننا فى هذه الفترة رغم الاحتلال بأنواعه وأشكاله المختلفة الذى كان واقعاً موجوداً بالفعل.. كنا أصحاب نهضة وحضارة والتى تدرس لطلبة المدارس الآن تحت مسمى النهضة المصرية الحديثة..

وهنا نخرج بأن محور التقدم الذى حاولت أن أنتقيه وأقدمه من خلال الجمعية هو العقلية المصرية ورغم كل وسائل التعجيز التى واجهتها عندما بدأت مشروعى إلا أننى مازلت أؤكد أن هناك فى كل شارع فى مصر عقليات رائعة.. فقط المناخ الفاسد هو من يخبئ هذه الزهور الجميلة من التفتح.. أنا أؤكد لكم أن لجنة براءات الاختراع فى مصر تحتوى فى أدراجها على كم هائل من الاختراعات التى لو طبق ربعها لأحدثت ثورة صناعية هائلة فى مصر.. لكن تقول لمين ومين يقرأ ومين يسمع، هذه العقول الشابة تبنيت الكثير منهم داخل الجمعية وحاولت بقدر المستطاع توصيل أصواتهم واختراعاتهم وابتكاراتهم ولكنى كنت أقابل دائما بالرفض وعدم الرضا لأن الكبار فى مصر يخشون منافسة هؤلاء الشباب!!

عندما شاهد علامات التعجب على ملامحنا أحب أن يضرب لنا مثلا.. فقال إن أحد أساتذة الجامعة الشباب فى مصر توصل فى بحثه العلمى إلى (مشروع السيلاج) وهو استخدام المخلفات الزراعية- زعازيع القصب- لإعادة تصنيعها كعلف حيوانى وكالعادة وجد عند الحكومة داء الصمت والتجاهل ولكنه عندما قابلنى وعرض على الفكرة انبهرت بالفكرة ولكنى أخفيت عليه ذلك الانبهار حتى أقوم بدراستها بشكل بحثى وعلمى حتى تكون إجابتى عليه وتشجيعى له على أساس صحيح وبعد أن تأكدت أنها دراسة هائلة ستجنى للدولة الثروات وستحول مخلفات إلى مواد صالحة الاستخدام تأكدت أيضا «لمصادماتى السابقة مع السادة المسؤولين عن البحوث العلمية» أن أى مسؤول ذهب إليه هذا العالم الشاب لم يستمع إليه من الأساس وبالفعل لم أعرض نفسى مرة أخرى لمرار التجربة مع تلك العقول المكتبية المتحجرة وبدأت فى تنفيذ المشروع على الفور وكانت النتائج مفاجأة للجميع..

فقد أحدث هذا المشروع ثورة عند عقول الفلاحين الذين اكتشفوا أن المخلفات التى كانوا يدفعون من أجل التخلص منها الأموال أصبحت ثروة تحقق أرباحاً أكثر من المحصول الذى يحتاج إلى سماد وخلافه من التحصينات الزراعية التى تجهدهم ماديا وأصبحوا لا يقومون بحرق تلك المخلفات التى تتكون من الزعازيع وأصبحوا يربحون من ورائها ولم يكن عائد هذا المشروع البحثى العلمى للفلاحين فقط بل كان للبشرية حيث ساعدت على ابتكار أسلوب القضاء على السحابة السوداء التى يتكون معظمها من حرق هذه المخلفات كما وفر هذا المشروع وجود مصانع جديدة لم تكن موجودة من قبل تتخصص فى إعادة تدوير هذه المخلفات وبناء عليه تم اختراع الآلات المتطورة شيئاً فشيئا والقضاء على نسبة من البطالة.. فانظروا كيف يمكن لبحث علمى أن يحل مشكلات عديدة تعانى منها البشرية فى هذه الأيام.. ونتيجة لنجاح المشروع تسابقت الحكومة كعادتها لتقليدنا وجربت أن تؤسس ذلك المشروع لكنها فوجئت بابتعاد المزارعين عنها لعدم ثقتهم فيها..

وذكر الدكتور مصطفى مثلاً آخر فقال.. أيضا أحد العلماء المصريين الشباب المتخصصين فى تربية الأسماك والذى تلقى هذا العلم فى الدولة التى تقدر العلم «الصين» وكالمعتاد لم يجد الشاب المسكين أى باب يلجأ إليه إلا ويجده مغلقا فقابلته واستمعت إليه بتركيز وأتحت له الفرصة ليعرض الفكرة على باقى أعضاء الجمعية وكما توقعت لها لاقت القبول والترحيب من الجميع فاتفق مع المنتمين لمشاريع الجمعية من أبنائها المنتفعين من القرض الحسن لحفر آبار فى مناطق الواحات للزراعه وأن يقوموا بزراعة الأسماك فى البحيرات الصغيرة المتسربة من الآبار وهو مشروع يشعر الملايين من البشر فى العالم أن الخير باق فى أمة محمد.. وكانوا أصحاب تلك الأراضى كلما يأتى يوم تجميع السمك يقومون ببيعه بأسعار رمزية..

وأحيانا بلا مقابل للأسر الفقيرة.. وهنا نجد أن تلك الأبحاث العلمية البسيطة استطاعت أن تجنى ثروات طائلة بذلك المجهود البسيط وتلك التكاليف الرمزية فما بالكم إذا تبنتها الدولة وعاملتها معاملة المشروعات القومية لأن ازدهار الثروة السمكية والقضاء على السحابة السوداء.. مشاريع أمن قومى من الدرجة الأولى.

يقول عالمنا الأثير الدكتور مصطفى محمود مهما تكلمت عن الجمعية الخيرية وفريق العمل الذى رافقنى فى بنائها فلن أكتفى أبدا ولكن فى عام ٢٠٠٠ تعرفت على مجموعة أشخاص أصحاب مطاعم ينفقون من أرباحها على تربية وتنشئة فتيات أيتام.. هؤلاء الناس وجدتهم مثلنا يهدفون إلى هدف سام.. رائع.. فقط تقابلهم مشكلة التمويل.. والتمويل كما تعلمنا من أسطورة الرجل الطيب- الذى ذكرت فى الحلقة السابقة- يكون بالعمل وليس بالدعم المادى فقط فاتفقت على شراء الوجبات الساخنة منهم كل يوم.. فى ذلك الوقت كان على مكتبى مشروع إطعام المساكين وهو عبارة عن إطعام الأسر الأكثر فقرا، مثلا (أسر اليتامى، أسر المنكوبين).. وهكذا دمجت المشروعين معا وضربت عصفورين بحجر واحد فنساعد على استمرار تربية الفتيات الأيتام إضافة إلى المساعدة على إطعام المحتاجين..

تخيل أنك إذا كنت من الفئة المعدومة المقهوره والتى تكون أرضا خصبه لآفات وأمراض هذا الزمن.. سواء كانت الإرهاب أو البلطجة أو الدعارة.. ووجدت تعليماً وتنشئة دينية وعلمية ومهنية ووجدت طعاماً ووجدت من يعلمك حرفة أو يساعدك فالمؤكد أنك ستبتعد عن أسباب الانحراف أو التطرف وهكذا..

ومنذ تلك اللحظة نمت إلى ذهنى وتفكيرى عملية كيف أستطيع مساعدة ومعاونة المساجين فهم بالفعل مذنبون ولكنهم إذا وجدوا الأيادى تمتد لهم فسيتصالحون مع أنفسهم ويتحولون إلى صالحين نافعين لمجتمعاتهم فأنا أؤمن أن الغالبية العظمى منهم مرضى نفسيون ومن العدل أن بعض حصص الطعام التى كانت توزع على الفقراء يتم إرسال جزء منها إلى قطاع السجون للمساجين وبالفعل بدأت فى اتخاذ الخطوات اللازمة لتطبيق تلك الفكرة ولكنى تأكدت من أن السجون لها ميزانية كبيرة والمساجين يحصلون على غذاء كامل..

ففكرت فى الموضوع بجدية أكثر بعد أن اتصل بى أكثر من قسم شرطة يريدون جزءاً من حصص الطعام خصوصا أننى وصلت إلىّ معلومات تفيد بأن المحتجزين فى التخشيبة أو الأقسام بعد تعرضهم للتشريفة المناسبة والتى تكون فى الغالب من السجانين القدامى أو أثناء معارضتهم لأوامر أمناء الشرطة والعساكر يفقدون دماء كثيرة ولا يحصلون على وجبات طعام وأن معظم أسرهم تكون فقيرة ومعدمة وتكتفى بأنها فقدت من يتكفل بمصاريفهم داخل التخشيبة ولا يستطيعون إطعامه وهم يحتاجون إلى من يطعمهم وهنا أخيرا وجدت طريقة أساعد بها هؤلاء فوجهت أغلب هذه الحصص إلى بعض أقسام الشرطة وأمن الدولة حيث المعتقلون السياسيون بعد أن وافق المسؤولون على هذا المشروع الخيرى الذى صاحب بعد ذلك تدعيم فقراء المساجين بالبطاطين ودعم أسرهم ماديا ومعنويا..وفى النهاية موضوع الجمعية ليس ملحمة أسطورية.. هى فقط قصة تقديم يد العون إلى المحتاجين بطريقة عملية..

وبعيدا.. عن الدعائية.. الأرقام عندنا ظاهرة. الميدان- ميدان مصطفى محمود- يعج بمن يلجأون إلى الصرح الذى إذا استطعنا بناءه فهو بحمد الله وتوفيقه.. كانت جمعية محمود الخيرية تصل- وما زالت رغم أنها ليست تحت إدارتنا الآن- إلى كل فقير وحققت الشعبية داخل أرجاء مصر وخارجها لأنها استهدفت الإنسانية ولم تفرق بين ديانات الفقراء ولكن الجميع كانوا بشراً.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المتجدده
نائب المدير
نائب المدير
avatar

وسام المحبه

وسام التواضع


وسام الجمال



عدد المساهمات : 351
تاريخ التسجيل : 05/05/2010
العمر : 26
الموقع : هنا وليس هناك

مُساهمةموضوع: رد: من مذكرات د. مصطفى محمود   الجمعة يونيو 18, 2010 3:48 am

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://somaua.ahlamontada.net/forum.htm
الدلع من شراتي
مشرف
مشرف
avatar

الاوسمه





عدد المساهمات : 386
تاريخ التسجيل : 02/06/2010
الموقع : الأمارات

مُساهمةموضوع: رد: من مذكرات د. مصطفى محمود   الإثنين يونيو 28, 2010 6:52 am

كنت ولازت أحلم كما يحلم وإن شاء الله أحقق حلمي
جزاك الله خير

_________________ ]
<P><IMG src="http://www.q-ro7.com/vb/image.php?u=2696&dateline=1229254057" border=0></P>
<P><STRONG><FONT color=indigo>من أجلكِ يا قلبي </FONT></STRONG></P>
<P>&nbsp;</P>
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
من مذكرات د. مصطفى محمود
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
أحلام حقيقية :: القسم العام-
انتقل الى: